بقلم: أحمد حمدي – رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
في مكتب صغير، منتصف الليل، تضيء شاشة واحدة وسط عشرات الشاشات المطفأة. لا صوت في الأرجاء سوى نقرات لوحة مفاتيح، وصوت إشعار يتردد كل دقيقتين يحمل خبرًا عاجلاً من هنا، وتصريحًا مثيرًا للجدل من هناك. في تلك اللحظة بالتحديد، يتشكل سؤال لم يعد يخص المؤسسات الصحفية الكبرى وحدها، بل بات يفرض نفسه على كل من يملك موقعًا إخباريًا، أو صفحة، أو حتى قناة على تطبيق تواصل: من الذي يجب أن يتخذ القرار النهائي بشأن ما يُنشر؟ وهل يمكن أن يكون هذا الشخص نفسه هو من يدير الأموال، ويوقّع العقود، ويرسم استراتيجية المؤسسة على المدى الطويل؟
هذا السؤال، الذي كان يبدو حتى وقت قريب من قبيل الترف الأكاديمي الذي تُناقشه كليات الإعلام في قاعاتها المغلقة، تحوّل اليوم إلى قضية وجودية بالنسبة لكثير من المؤسسات الصحفية والإعلامية في العالم العربي. ومصر ليست استثناءً.
الإعلام لم يعد كما كان.. والقواعد القديمة تترنح
لعقود طويلة، كانت الخريطة واضحة تمامًا: هناك من يملك، وهناك من يحرر. المالك أو رئيس مجلس الإدارة يوفر التمويل والرؤية التجارية، بينما يتفرغ رئيس التحرير لصياغة الموقف التحريري، وضبط بوصلة المحتوى، وحماية المؤسسة من الانزلاق نحو مصالح ضيقة قد تُفسد رسالتها. كانت هذه الثنائية أشبه بتوازن دقيق بين “من يدفع” و”من يقرر ماذا يُقال”، توازن حاول الإعلام العالمي طوال قرن كامل أن يحافظ عليه، ولو بصعوبة بالغة أحيانًا.
لكن هذا التوازن، الذي بدا يومًا ما وكأنه قانون لا يُمس، بدأ يتصدع تحت وطأة تحولات متلاحقة لم تترك مجالاً للمؤسسات كي تلتقط أنفاسها. فالسرعة التي أصبحت تُصنع بها الأخبار، والانتقال شبه الكامل للجمهور نحو المنصات الرقمية، وتراجع الإعلانات التقليدية لصالح نماذج تمويل جديدة ومعقدة، كل هذا فرض على من يدير المؤسسة أن يكون قريبًا جدًا، بل ملاصقًا، لغرفة الأخبار، لا أن يكتفي بمتابعة الأداء المالي من بعيد كما كان يفعل أسلافه.
حين يصبح البقاء نفسه رهينًا بالسرعة
تخيّل معي المشهد التالي: خبر عاجل يهز الرأي العام، وعلى رئيس التحرير أن يقرر خلال دقائق معدودة كيف يتعامل الموقع مع هذا الخبر، وما هي الزاوية الأنسب، وهل يستدعي الأمر تحقيقًا موسعًا أم مجرد نقل سريع للحدث؟ في مثل هذه اللحظات الحرجة، لا مجال لاجتماعات مطولة بين إدارة تحريرية منفصلة وإدارة مالية منفصلة تتناقش حول الميزانية المطلوبة لتغطية الحدث، أو حول المخاطر القانونية المحتملة، أو حول أثر النشر على علاقات المؤسسة مع أطراف بعينها.
هنا بالضبط يكمن جوهر الجدل: عندما يكون رئيس مجلس الإدارة هو نفسه رئيس التحرير، تختصر المسافة بين القرار الإداري والقرار التحريري إلى الصفر تقريبًا. لا وقت يُهدر في التنسيق، ولا طبقات بيروقراطية تُبطئ اتخاذ القرار، ولا صراع خفي بين رؤية تجارية ورؤية تحريرية قد تتصادمان في أضيق اللحظات. وفي عالم أصبحت فيه “الدقيقة الأولى” بعد وقوع الحدث تحدد مصير الانتشار على محركات البحث ومنصات التواصل، فإن هذا الاختصار ليس مجرد ميزة تنظيمية، بل قد يكون عامل بقاء بالمعنى الحرفي للكلمة.
لكن.. هل السرعة وحدها كافية لتبرير كل شيء؟
مع ذلك، لا يمكن لأي طرح موضوعي أن يتجاهل الجانب الآخر من المعادلة. فحين يجتمع القرار المالي والقرار التحريري في يد واحدة، يصبح السؤال الأهم: من يراقب من؟ من يحمي المحتوى من أن ينحاز لمصلحة تجارية عابرة على حساب المصداقية التي بُنيت بجهد سنوات؟ ومن يضمن أن الخط التحريري لن يتأثر، ولو بشكل غير مباشر، بعلاقة تجارية أو رعاية إعلانية أو حتى بضغوط شخصية قد تمر دون أن يشعر بها القارئ؟
هذه المخاوف ليست افتراضية، بل عاشتها مؤسسات إعلامية كبرى حول العالم، حين وجدت نفسها في مرمى انتقادات حادة كلما بدا أن قرارًا تحريريًا اتُخذ بدافع تجاري أكثر منه بدافع مهني. والحقيقة أن الفصل التقليدي بين الإدارة والتحرير لم يُبتكر من فراغ، بل جاء كإجابة تاريخية على أزمات ثقة متكررة عاناها القراء من قبل، حين شعروا أن ما يقرؤونه ليس بالضرورة ما يستحقون معرفته، بل ما يخدم مصالح لا علاقة لها بهم.
فالسؤال الحقيقي ليس “من يجلس على الكرسيين”.. بل “من يملك الضمير المهني”
وهنا تكمن، في تقديري، جوهر المسألة التي يجب أن يتوقف عندها كل من يفكر في هذه القضية بعمق: المشكلة ليست في الجمع بين المنصبين بحد ذاته، بل فيما إذا كان من يجمع بينهما يملك الانضباط المهني الكافي لأن يفصل، داخليًا وفكريًا، بين قراره كمستثمر وقراره كصحفي. فهناك من يجلس على كرسي واحد فقط، رئيسًا للتحرير لا غير، ومع ذلك ينحاز بسهولة لمصالح ضيقة. وهناك، في المقابل، من يجمع بين المسؤوليتين ومع ذلك يظل حارسًا أمينًا لمهنية العمل الصحفي، لأنه يدرك أن قيمة مؤسسته الحقيقية، وقيمتها السوقية أيضًا، مبنية أساسًا على ثقة القارئ، وأن هذه الثقة أثمن بكثير من أي مكسب عابر.
بمعنى آخر: الجمع بين المنصبين ليس ضمانة للفشل، كما أن الفصل بينهما ليس ضمانة للنجاح. فكلا النموذجين يحمل مخاطره الخاصة، وكلاهما يحتاج إلى منظومة داخلية من القيم والمعايير التي تحمي المحتوى من الانحراف، بصرف النظر عن الهيكل الإداري المعتمد.
العصر الرقمي غيّر قواعد اللعبة.. فهل غيّر أيضًا فلسفة الإدارة؟
من المهم أن نُقر بأن المشهد الإعلامي الذي نعيشه اليوم يختلف جذريًا عمّا كان عليه قبل عشرين عامًا فقط. فالمواقع الإخبارية لم تعد تتنافس فقط فيما بينها، بل باتت تتنافس أيضًا مع منصات التواصل الاجتماعي، ومحركات البحث التي تُعيد صياغة قواعد الظهور والانتشار كل بضعة أشهر، بل مع أدوات الذكاء الاصطناعي التي أصبحت قادرة على إنتاج محتوى إخباري في ثوانٍ معدودة. في ظل هذا التسارع المحموم، تحتاج المؤسسات الإعلامية إلى قيادة قادرة على اتخاذ قرارات استراتيجية سريعة تمس، في آن واحد، الجانب التحريري والجانب التقني والجانب المالي.
ولعل هذا ما يفسر لماذا نجد اليوم عددًا متزايدًا من المؤسسات الإعلامية الناجحة، خاصة تلك التي نشأت رقمية بالكامل، تعتمد نموذجًا تُذوب فيه الحدود التقليدية بين الإدارة والتحرير، ليس إهمالاً للمعايير المهنية، بل إدراكًا أن المرونة والسرعة أصبحتا شرطًا للبقاء في سوق لا يرحم من يتأخر ولو بساعات قليلة عن ركب الحدث.
بين تجربتين.. أين تقف الحقيقة؟
من المفيد أن نتأمل هنا في تجربتين متناقضتين ظهرتا عالميًا. ففي بعض المؤسسات الكبرى ذات الإرث التاريخي الطويل، ظل الفصل الصارم بين الإدارة والتحرير عقيدة راسخة لا تُمس، باعتباره خط الدفاع الأخير عن استقلالية القرار الصحفي. وفي المقابل، ظهرت مؤسسات إعلامية رقمية حديثة حققت نجاحًا لافتًا رغم اعتمادها نموذجًا مختلفًا تمامًا، حيث يقود المؤسس نفسه دفة الإدارة والتحرير معًا، مستفيدًا من فهمه العميق لكلا الجانبين ليصنع منتجًا إعلاميًا متماسكًا وسريع التفاعل مع الأحداث.
الفارق الحقيقي بين التجربتين لم يكن أبدًا في الهيكل التنظيمي المعتمد، بل في مدى التزام القائمين عليها، أيًا كان موقعهم، بقواعد المهنية والمصداقية التي لا تتغير مهما تغيّرت الأدوات والمنصات والتقنيات المستخدمة في النشر.
خلاصة لا بد منها
في النهاية، لا يوجد نموذج واحد يصلح لكل زمان ومكان ولكل مؤسسة. فبعض المؤسسات تحتاج، بحكم حجمها وتاريخها وطبيعة جمهورها، إلى فصل واضح بين من يدير المال ومن يدير الكلمة. وبعضها الآخر، خاصة في عالم الإعلام الرقمي سريع الإيقاع، يجد في اجتماع المسؤوليتين في يد واحدة فرصة حقيقية للسرعة والانسجام واتخاذ القرار في الوقت المناسب، دون أن يعني ذلك بالضرورة التفريط في المعايير المهنية.
فالسؤال الذي يستحق أن يُطرح ليس “من يجلس على الكرسي”، بل “من يحمل الضمير المهني الذي يجعله يفصل، حتى وهو يجلس على كرسيين، بين ما يخدم مصلحته وما يخدم حق القارئ في معرفة الحقيقة كاملة”. وهذا، في تقديري، هو المعيار الحقيقي الذي يجب أن يُقاس به نجاح أي مؤسسة إعلامية، بصرف النظر عن شكل هيكلها الإداري.
