بقلم: أحمد حمدي – رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير “مصر 24”
تفتح فيسبوك أو إنستجرام فتجد زميل دراستك يفتتح مشروعه الخاص، وصديق الطفولة يعلن عن ترقيته، وزميلة العمل تنشر صورة من رحلتها الجديدة… وأنت، لا شيء تغيّر. نفس المكان، نفس الانتظار، ونفس السؤال الذي يلحّ عليك كل مرة تُغلق فيها الشاشة: ليه لسه؟ ليه هما وصلوا وأنا لسه واقف؟
لماذا لا يأتيك ما تستحقه في اللحظة التي تريدها بالضبط؟ لماذا يتلكأ النجاح، ويتأخر المال، وتتباطأ الفرصة، بينما أنت موقن تماماً أنك جاهز لها الآن، فوراً، بلا تأجيل، ومع ذلك يبدو أن الجميع من حولك “ماشي في طريقه” إلا أنت؟
الإجابة ليست في حظ عاثر، ولا في زمن ظالم يقسو عليك وحدك دون غيرك. الإجابة أعمق من كل “بوست تحفيزي” قرأته عن “التوقيت المناسب”، وأقدم منه بقرون. إنها محفوظة منذ أكثر من أربعة عشر قرناً، في واحدة من أعجب قصص القرآن الكريم.
حكاية الجدار الذي لم يسقط
في سورة الكهف، يقيم العبد الصالح جداراً آيلاً للسقوط في قريةٍ أبى أهلها أن يضيفوهما، جدار يخفي كنزاً ليتيمين صغيرين ورثاه عن أب صالح، ولم يرثا بعد القدرة على حمايته. وهنا تأتي الآية التي تختصر فلسفة حياة كاملة: “فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ” (الكهف: 82). لم يُستخرج الكنز فور اكتشافه، بل ظل مدفوناً حتى يبلغا أشدهما، ويستخرجاه في الوقت الذي يكونان فيه أقدر على حفظه والانتفاع به. وهذا من رحمة الله بهما، كما دلّ عليه ختام الآية: “رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ”.
حين يتحول “الوريث الصغير” إلى “الضحية الكبرى”
تخيل فتى فقد أباه فجأة، فورث ثروة ضخمة لم يبنِ منها حجراً، ولم يذق تعبها. وقد يصبح المال الكبير، إذا جاء قبل اكتمال الخبرة والقدرة على إدارته، اختباراً صعباً لصاحبه: “Easy come, easy go”؛ ما يأتي بلا ثمن قد يرحل بلا رجعة، فيجد نفسه يوماً مفلساً؛ لا لأن المال نفد فقط، بل لأن العقل الذي يديره لم يكتمل بعد. أما من عرّق وانتظر طويلاً، وتأخر تحقيق حلمه بعد عناء ممتد، فغالباً ما يعرف قيمة كل قرش يمر بين يديه، لأنه دفع ثمنه غالياً قبل أن يملكه.
الاحتكاك الذي يصنع الصلابة
وقد يكون بعض التأخير باباً للتعلم والنضج واكتساب الخبرة، وإن كنا لا نعلم دائماً الحكمة من كل ما يحدث لنا. فربنا سبحانه أحياناً يُمرّنا بخبرات ومحطات طويلة، ومواقف تحتك بنا حتى تُتعبنا. وقد يكون من آثار بعض التجارب أن تصقل الإنسان وتزيده خبرةً ونضجاً. كل مرحلة عناء نمر بها قد تضيف إلينا معرفة ما كنا لنكتسبها من الكتب، وكل احتكاك نمر به قد يصلّبنا قليلاً، حتى نصبح – حين تأتي اللحظة الحقيقية – أقدر على حملها بعقل ناضج. فالصلابة، حين تُبنى، تُبنى حجراً فوق حجر، من رحم كل انتظار طويل عشناه.
وأحياناً.. لا يتحقق الحلم إطلاقاً
لكن الإنصاف يقتضي أن نذكر وجهاً آخر للحكمة، أقسى وأصعب على النفس: أحياناً لا يتأخر ما نريده فحسب، بل لا يتحقق إطلاقاً. ولهذا أيضاً حكمة، وإن غابت عنا تفاصيلها. فرب أمر نتمناه ونظنه خيراً لنا، بينما يكون الخير في ألا يتحقق، ورب باب أُغلق في وجهنا لأن خلفه ما لا نحتمله. “وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ” (البقرة: 216)، فالله أعلم بما يصلحنا، وقد تكون النعمة الحقيقية في المنع لا في العطاء.
الدرس الذي يستحق أن يُكتب بماء الذهب
في زمن يطارد فيه الجميع “النجاح السريع”، ويحسب كثيرون أن التأخير أو الحرمان مؤامرة كونية ضدهم، تذكّرنا هذه القصة بحقيقة صارمة وبسيطة: ليس كل تأخير حرماناً، وليس كل منع عقاباً، وليس كل عناء طويل نهاية. أحياناً يكون التأخر بعد جهد ممتد هو الطريق الذي يصنعك قادراً على حمل نجاحك، وأحياناً يكون المنع ذاته هو النجاة.
فإن كنت اليوم تشعر أن شيئاً تتمناه يتأخر عنك، فلا تجعل التأخير وحده دليلاً على الحرمان. قد تحمل الأيام لك خيراً لا تراه الآن، وقد يكون عليك أن تواصل السعي والصبر، مع اليقين بأن الله أعلم بما يصلح لك ومتى يكون الخير فيما يأتيك أو فيما يُصرف عنك.
