بقلم: أحمد حمدي – رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير


الإنسان بطبعه بيقارن نفسه بغيره، دي غريزة قديمة جدًا، من ساعة ما كنا عايشين في قبائل ومحتاجين نعرف مكاننا وسط الجماعة. بس المشكلة إن العصر اللي إحنا فيه ضاعف الغريزة دي أضعاف مضاعفة. بقينا شايفين حياة الكل في نفس اللحظة، على شاشة صغيرة في إيدينا، أربع وعشرين ساعة في اليوم.

مبقاش السؤال “أنا حققت إيه؟”، بقى السؤال “أنا حققت إيه مقارنة بفلان؟”. وده خلانا نحس إننا كلنا في سباق واحد، خط بدايته واحد ونهايته واحدة، وكل واحد فينا لازم يوصل في نفس التوقيت.

بس المشكلة إن السباق ده أصلًا مالوش خط نهاية حقيقي. حتى لو وصلت لحاجة، هتلاقي سباق جديد بدأ. اشتريت الشقة؟ دلوقتي السباق بقى مين هيجهزها. اتجوزت؟ دلوقتي السباق بقى مين هيخلف الأول. وهكذا، لحد ما تفضل طول عمرك تجري ورا خط نهاية بيتحرك كل ما تقرب منه.

وده بالظبط اللي بيخلي ناس كتير بتحرق نفسها، بتتعب نفسيًا وجسديًا، وبتوصل في الآخر لإحساس فاضي: “طب وبعدين؟”

السباق مش زي المارثون

في سباق المية متر، اللي بيكسب هو اللي بيطلع كل طاقته في ثواني معدودة. مفيش وقت للتفكير، مفيش وقت للتنفس، القرار بيتاخد في أجزاء من الثانية وخلاص.

لكن المارثون حكاية تانية خالص. اللي بيجري 42 كيلومتر مش بيفكر في اللحظة، هو بيفكر في المسافة كلها. هو عارف إنه هيتعب في الكيلو الخامس عشر. عارف إن جسمه هيصرخ في العشرين. عارف إن فيه لحظة هيحس فيها إنه مش قادر يكمل. وده كله متوقع، ده مش عيب، ده جزء من اللعبة.

العداء المحترف مش اللي بيجري بسرعة من الأول، ده اللي بيعرف يوزع نفسه. يمشي شوية لما يحتاج. يشرب مية. يبطّئ عشان يقدر يكمل. وأهم حاجة، يعرف إن الهبوط اللي بيحصله في نص الطريق مش نهاية السباق… ده جزء طبيعي جدًا منه.

الصعود والهبوط… مش عيب، ده تصميم

الحياة زي المارثون بالظبط: فيها صعود وفيها هبوط، وده مش استثناء، ده القاعدة.

في يوم هتحس إنك على القمة، شغلك ماشي، صحتك تمام، علاقاتك مستقرة. وفي يوم تاني هتحس إن كل حاجة بتنهار، إنك رجعت للخلف، إنك ضيّعت وقت وأنت مكانك واقف.

المشكلة مش في الهبوط نفسه، المشكلة في إننا اتربينا نفكر إن الهبوط ده “غلط” أو “فشل”. وده مش حقيقي. حتى أقوى العدّائين في العالم بيحصلهم اللحظة اللي جسمهم يبدأ يخذلهم في نص الطريق، بيسموها “الحيط” (the wall). كل عداء بيوصلها، من غير استثناء. الفرق بين اللي بيكمل واللي بيقف، مش إنه ماوصلش للحيط ده، الفرق إنه عارف إن الحيط ده هيجيله، ومستعد يمشي خطوة بخطوة لحد ما يعديه.

أمثلة إحنا عايشينها كل يوم

فكر في الشاب اللي لسه بيدور على شغل، وكل أصحابه استقروا. هو مش متأخر، هو ببساطة في كيلومتر مختلف من المارثون. مسافته مختلفة عن مسافة صحابه، وده طبيعي جدًا.

فكر في البنت اللي حاسة إنها “فاتها القطار” لأن صحباتها اتجوزوا وهي لسه. مفيش قطار أصلًا. فيه طريق طويل، وكل واحد بيمشيه بسرعته وظروفه.

فكر في الموظف اللي بيحرق نفسه ليل نهار عشان يوصل لمنصب في سن معينة، وبينسى صحته وعيلته في الطريق. هو بيجري سباق مية متر في مسافة أطول بكتير من طاقته، وده اللي بيخليه يقع من الإرهاق قبل ما يوصل نص الطريق.

فكر في الأب اللي بيقارن ابنه بابن الجيران، وناسي إن كل ابن بيجري في مساره هو، بسرعته هو، وبظروفه هو.

كل الحالات دي بتتعب لأنها بتقيس نفسها بمسطرة سباق مية متر، في حين إنها أصلًا جوه مارثون.

يبقى نعمل إيه؟

مش المطلوب إنك تبطل طموح، ولا إنك تقعد متكاسل وتقول “المهم أوصل يوم ما”. المطلوب إنك تغيّر طريقة نظرك للمسافة:

اعرف إن اللحظات اللي هتحس فيها إنك ضعيف أو متعب أو واقف مكانك، دي مش علامة إنك غلط. دي علامة إنك لسه في نص الطريق، ولسه بتجري.

اعرف إن اللي بيقارن نفسه بغيره وهو في نص السباق، بيضيع طاقته في حاجة مالهاش لازمة. كل واحد في المارثون بينافس نفسه بس، مش اللي جنبه.

واعرف كمان إن أهم حاجة في أي مارثون مش السرعة، هي الاستمرارية. اللي بيوصل مش اللي جري بسرعة وقف بدري، ده اللي مشي لما احتاج، وجري لما قدر، وما وقفش خالص.

في الآخر

المرة الجاية اللي هتحس فيها إنك “متأخر”، أو إن الدنيا ماشية وإنت واقف، فتكر إنك مش في سباق مية متر عمره ثواني. إنت في مارثون عمره سنين، وفيه صعود وهبوط، وتعب وراحة، وده كله طبيعي وجزء من الطريق.

السؤال مش “أنا وصلت فين مقارنة بغيري؟”

السؤال هو: “أنا لسه بجري؟”

اترك تعليقاً